حصريا لموقع الهوانم

أنتظرونا في مفاجأة خاصة مع د / باسم خليفة أخصائي تغذية - سمنة والنحافة
في انتظار اسئلتكم واستفساراتكم علي موقع الهوانم على مدار 24 ساعه لمدة اسبوع كامل من خلال اسألى الهوانم


هدوء نسبى

5-يوليو-2011

أورد – هنا – تحفظا قبل ان ابدأ فى الكتابة ، و هو أشبه بالاعمدة التى توضع على البيوت لمنع الصواعق ، أو السلك الذى يوضع بجوار عداد النور ، حتى اذا إرتفع التيار فجأة ، و احترق السلك و نجا البيت و ما فيه ومن فيه . اذ ان ما سوف أسطر – الآن – حالا ليس وليد شعور بالكراهية الاجتماعية ، وكما ليس مغالاة او إيغال إصطناعيين فى الدفاع عن المستضعفين و المهمشين و الفقراء فى بلدنا السعيد .

أورد – هنا – تحفظا قبل ان ابدأ فى الكتابة ، و هو أشبه بالاعمدة التى توضع على البيوت لمنع الصواعق ، أو السلك الذى يوضع بجوار عداد النور ، حتى اذا إرتفع التيار فجأة ، و احترق السلك و نجا البيت و ما فيه ومن فيه .

اذ ان ما سوف أسطر – الآن – حالا ليس وليد شعور بالكراهية الاجتماعية ، وكما ليس مغالاة او إيغال إصطناعيين فى الدفاع عن المستضعفين و المهمشين و الفقراء فى بلدنا السعيد .

اذ ان الكراهية الاجتماعية ليس نائمة تنتظر من يوقظها ، و ليست خافتة تحتاج الى من يثيرها و يهجيها ، فقد جاوز الظالمون المدى ، و اتسعت الهوة الاحتماعية على نحو حسن القسمة فى مصر فصارت بلدين ، وهو الذى طالما أشرت له فى مقالات " الشوارعيزم " بجريدة الاهرام على مدى سنوات أربع فائتة .

أما المستضعفون فى الوطن فهم – حتى – لا يصدقون دفاع المثقفون عنهم ، أو ما يبدو إنتصارهم لهم ....اذ صار الغضب هو الشعور الاكثر حضورا فى نفوسهم ، كما باتت رغبة إطاحة أوضاع ظالمة ومجنونة تمور و تغور فى صدورهم ، على نحو لم يعد يقبل همس العقلاء ، او حتى يسمعه ، و ان حاول الدفاع عنهم ازاء عمليات إجلائهم من مشهد الحياة ، أو دفعهم الى أبعد بعيد من اطرافه ، مهجرين من مركزه ، كسيرة ظهورهم كالنخلات ذات القلوب الميتة ، مرة حلوقهم كمياه الآبار المعين .

 

دور المثقف – حتى لو كان متلبسا الى النهاية بانحياز إجتماعى الى الفقراء – هو دور يحمل – الان فى يدهإستمارة ستة ،او وثيقة إقالة ، او احالة الى الاستيداع

اذ جاء حدث الثورة –فيما هو مفترض – لينتصر مباشرة لانسانية البسطاء ، و مصالحهم ، و حقوقهم التى طال حصارها و استلابها

صحيح ان الفقراء فى الشارع تحولوا – الان – الى أوراق سياسية يلعب بها كل طرف لمصلحته ، او للتضاغط مع الطرف الاخر ، وصحيح انهم – فى كثير أحيان هائمون لا يعرفوا الى اين يجب ان تكون وجهتهم

و صحيح  ان المتحدثين باسمهم تكاثروا ، و تكأكأوا على كل منصات الخطابة و الاعلام ، وفى جوف غرف التأمر او التفاوض ....و لكن أولئك المهمشين – فى نهاية المطاف – صاروا أرقاما فى الشارع لها وزن و ارجحية و يعمل لهم الجميع حسابا ان لم يك ألف

وهنا يكمن سبب كتابة هذا المقال ، اذ أنشب الخوف و التوقع أظافرهما و أنيابهما فى صدور ووجدانات نساء الطبقة المستقوية الثرية المتمكنات فى الارض ، على نحو أجبرهن – فى كل لحظة – على تغيير أنماط حياتهن ، على نحو مختلف يغاير طقس الفجور الاقتصادى و الاجتماعى الذى كان السمة الاكثر حضورا فى البلد ، او على الاقل فى الجزء الذى تصور الاغنياء انهم استقلوا به ، و حلقوا فى سمات سبع من البلهنية ، ليوسعوا المنطقة استمتاعا ، بعيدا عن الفقراء المقرفين الذين زاحموا سادتهم الهواء الذى تنفسوه ، و لم يتوقفوا عن إنتاج تلك النظرات الساهمة الحزينة الكابية التى يوجهونها الى نقاط غير معلومة فى افق بعيد

تيار موح ينسكب من أعينهم ، حار السادة فى تفسير معانيه ، وصوغ دلالاته ألا أنهم توجسسوا منه ورأوه شكلا من أشكال تمرد أولئك المهمشين وعدم سعادتهم بما قدروه لهم السادة ،
أو إنصياعهم لالتزام حدود الدنيا التى خلفو لهم ليعيشوا فيها

سارعت النسوة المستوقيات اللاتى بشمن الثراء لسنوات طويلة ، الى تغيير أساليب عيشتهن ، بشكل يتوقى جحافل الغاضبين الذين بات نزولهم الى الشارع تمرينا يوميا او اسبوعيا لا يقدر احد على حصاره او دفعه ، و بخاصة مع تنبؤات المراقبين بموجات جوع مقبلة ستدفق الوانا اخرى من الفقراء الى الشارع مكتسحين الاخضر و اليابس ،بعدما ذبلت مطالبات العدل الاجتماعى ، و انصراف بعض شباب الثوار الى التحول من جماعة ثائرة الى طبقة حاكمة ، و اختطفهم نجومية الاعلام ، فصار التصديغ على شاشات التليفزيون هو شغلهم الشاغل .

نحن الان - فى فترة هدوء نسبى ، تجتهد فيها نسوان الطبقة المستقوية الثرية لحجب كل ما أثار كراهة و غضب جموع المستضعفين ، او لمحاولة التجمل الاجتماعى ، الذى يغادر بهن و بأزواجهن و أولادهن مربع استفزاز مرده الفقر و الحرمان

القصة بدأت بتعلية اسوار الفيلات ، و القصور ، و تثبيت قضبان كحراب مدببة على قممها ، و تغيير الابواب باخرى حديدية ذات منعة أكبر و قوة اشد

اذ كانت ليالى الرعب التى عاشها أولئك الناس عند الانفلات الامنى فى بدايات الثورة ، و توقع هجمات البلطجية و المساجين بمثابة إنذار إلتقطه سكان القصور و المجمعات السكنية فوق الفاخرة بوعى شديد ، و بحيث صار فزعهم يتجدد كلما إسترجعوا صورة و اطيافه ، او فكروا فى هجوم الفقراء المنتظر الذى سيكون أكثر اجتياحا و تدميرا من كل السوابق التى مرت بهم .

وبعد تعلية السور إشترى أصحاب القصر أربعة كلاب حراسة شرسين مرعبين ، إثنان " دوبر مان " ، و إثنان " رود فايلر " ، و ذلك لزوم ترويع الفقراء الغزاة اذا لاحت طلائعهم .

كما إزداد إقبال الطبقة الثرية على السيارات الكورية الرخيصة ، و الخروج بها الى فضاءات الوطن و شوارعه ، و إخفاء السيارات المرسيدس ، و الرولز رويس ، و البى ام دبليو ، و الجاجوار ، و الهامر فى جراجات البيوت ، مع اللجوء لوسائل التستر بغية الايغال فى المداراة مثل نثر اوراق الشجر على اسقفها ، او القاء الشبك المموه فوقها .

و ضمن الاجراءات الاحترازية كان تثبيت خزانة ضخمة فى البيت رصت فيها روزم مليونية من النقود ، لان وجود المال فى البنوك يجعله عرضه لرصد أجهزة الرقابة و المحاسبة متنوعة الدرجة و المستوى ، و حنق موظفى المصارف الذين يطلعون على بيانات كل حساب ، و يعرفون ما ظهر منها و ما بطن .....بالاضافة الى تخوف الاثرياء من ان يتم تسريب أخبار حساباتهم الى الغاضبين فى كل مكان ، فعلى الرغم من ان أعراف العمل المصرفى و اصوله تمنع إشاعة و إذاعة حسابات العملاء فان احدا لا يضمن – فى هذة الايام النكد – المسارات التى تتحرك فيها المعلومات من هنا ، او هنا ، او هنا ، او أخ خ خ ....من هناك !

 و اخيرا فان صرف الخدم و الحشم و السائقين الذين يحتمل عملهم كطابور خامس داخل القصور يصبح ضرورة واجبة ،و بعده إحلال مجموعات من الحبش و السودانيين الجنوبيين ، و الفليبينين مكانهم ، بما يؤكد تحصين حياة سراة القوم فى مواجهه الغزوات المحتملة لمعدميهم

ومن نافلة القول فان ضرورة قصوى تجليت لايداع أكوام المجوهرات المصنفة و العادية فى خزائن بنوك الخارج ، سواء على دفعة واحدة ، او على عدة نقلات مع افراد العائلة و الاصدقاء فى سفرات توالت – خصيصا – لتحقيق ذلك الهدف ....فضلا عن تعبئة المشغولات الفضية و الهندية و الفارسية و فازات السيفر الانتيكة و كريستالات لابوهيم المحفورة فى صناديق نفلت الى البدرومات

و اخيرا فان التقليل من الخروج الى اماكن السمر و السهر أصبح من اهم شروط سلامة ابناء الطبقة الغنية ، حتى لا يلفتوا الانظار، وحتى ينساهم الناس ، فلا يتذكرون منهم وجوها او اسماء !

و بات تنويع شكل السهر داخل القصور و الفيلات ، و البروج المشيدة هو الهاجس الذى إحتل أدفعة النسوان الثريات ، درءا لملل ، ومنعا لتفعيله أو تجويدة!

و ما بين حفلات تنكرية ، و مسابقات رقص تقلبت الطبقة الجديدة فى براح سهرات مقننة داخل معتقلات البيوت ، محتلة بهواجس و ريب دفعتها الى التخفى كى لا يراها احد ، فيما كانت متعتها الكبرى فى السابق هى المظهرية و التفاخر و الاستعراض ، و مكايدة الانداد ، و إذلال الغلابة .

و صار تكرار نمط معين من الحفلات  وراء الاسوار... وهو حفلات الزار ، حالة سائدة ، تراها تلك الطبقة – اولا – اوريجينل جدا ، ثم ان فيها إرتداد الى الاصول الاجتماعية و المزاجية الاولى ، لان معظم أولئك من الاغنياء الجدد الذين جاء صعودهم الطارئ بفعل روافع غير طبيعية شالتهم الى اعلى ، او قاطرات غير قانونية دفعتهم الى قدام ...و ثالثا فان هناك بعدا يبدو دينينا طوطميا فى تلك الحفلات يتيح للنسوان الثريات نحر الفداءات لفك نحس الطبقة ، و التخلص من سيطرة الجان الذين ركبوها !

كما يمكنهن من إبطال أعمال الحاسدات و الشاعرات بالاحسن اللاتى إستكثرن النعمة على أصحابها ، او رد كيد النسوة الفقيرات الى نحورهن ، و سخطهن قزمات بكمات كسيحات !

شيخ مغربى ذاع صيته فى تلك الحفلات يؤكد – دائما فى خناقة كهنوتية – ان جنا عربيا من بنى عامر ، فى قبيلة البوجة ركب القصر و قاطنيه بعد ثورة يناير ، و ذهب بعزهم أدراج الرياح ، وان خلاصهم لن يكون إلا بزار يسترحم الجنى ليرحمهم .

ومع سرب من الفتيات النوبيات ياتين معه فى مركبه ميكروباص ، يتقدم الى داخل القصر الذى استقدمه سادته ، والى جواره تقعد الكودية داكنة السواد

وفى الحديقة مترامية الاطراف ، تبدأ الطقوس بالغة التعقيد ، و المفعمة بالرموز الصوتية و الحركية .دخان بخور الند ، و عبير شواء حبات المصطكى على الفحم يلفان الجميع ، و نسوان الطبقة الغنية يرتدين جلابيبا بيضاء مفتوحة ، مشقوقة ، مقورة من كل جانب يحتمل فتحة او شقا ، مبرزا فصوص اللحم الابيض و الاحمر و الاسمر على نحو بالغ الغواية و الاثارة .

و الرجال حفاه الاقدام يتمايلون على دقات دفوف ، بدأت متلئكة ثم صارت مدوية لاهثه ، هازين كروشهم ز مؤخراتهم ، فيما الجميع يرددون خلف الكودية السوداء و معاونيها ، مترنحين حينا ، و مهرولين حينا :

" أحمد البشير .....الهدندرى ....توبه الحرير ....الهدندرى ....شكله الجميل .....الهدندرى ......لابس الخلال .....الهدندرى .....طالع الجبال .....الهدندرى يرعى الجمال ........الهدندرى ......."

ثم يتبع الكل : "سدرى النارسرى ....شاهدى ما يسلج داية ....ان هالة كوندلى ....أن الرحمة تاج الله "

وحن يصير الجمع خرقا مهلهلة فى ايادى كوكبة الزار ، و ينقشع الدخان الذى لف كل شئ ، تقوم صاحبة الدار لتنحر خروفا تتناثر دماؤه على اقدام النساء الحافيات ، فيما تلطخ الكودية ملابسها بالدماء ، و تنثر اعواد حزمتى برسيم على الارض ، مشددة على خدم القصر ان تبقى فى موضعها لاسبوع .

 وفيما بعد حفلة الزار ، ينصرف الجميع داعين إنصراف الجنى الذى تلبس البلد ، و متضرعين متبتلين الى  المولى ان يهلك الفقراء و يجعلهم نسيا منسيا

وفى اعقاب أنصراف المعازيم ، وقفل باب القصر ، و اطلاق الكلاب من مكامنها ، و انتشار الحراس ، و اغلاق المزاليج ، تلوذ سيدة القصر و سيدة بغرفتيهما ، ثم ترتدى المرأة الثرية بعضا من مجوهراتها التى أخفتها فى فردة شراب حريمية تحت السرير ، ثم تدلف مع بعلها الى التواليت ، و يغلقا الباب فى لهفة ، و يحتسيا بعض كئووس " البلوليبل " و يصدحان بالغناء مستمتعين بصدى الصوت الذى يرتد اليهما من الجدر المكسوة بالسيراميك ، متعودين شكلا جديدا من السهر و الاحتفال بالحياة ، فرضه عليهما طقس البلد السياسى الذى لم يعد قادرا على حماية توحش الاقوياء ، و تمكينهم من سحق المستضعفين !

و فتكم بعافية

 

>