حصريا لموقع الهوانم

أنتظرونا في مفاجأة خاصة مع د / باسم خليفة أخصائي تغذية - سمنة والنحافة
في انتظار اسئلتكم واستفساراتكم علي موقع الهوانم على مدار 24 ساعه لمدة اسبوع كامل من خلال اسألى الهوانم


كاتب الرسايل الجزء 1

16-فبراير-2012

عندما تلقت تلك المكالمة من إحدى زميلات الجامعة ، لم تكن تتخيل أن هذه المكالمة سوف تكون السبب في تغير حياتها ، فقد طلبت منها زميلتها داليا ، التي تزوجت حديثا من صحفي على وشك إصدار مجلة خاصة به ، و كانت داليا تلك تعلم أن لدى فاطمة ميولا أدبية منذ أيام الجامعة ، و كان طلبها محددا فهي تريدها أن تتولى تحرير عامود أسبوعي في المجلة التي سوف يصدرها زوجها .

عندما تلقت تلك المكالمة من إحدى زميلات الجامعة ، لم تكن تتخيل أن هذه المكالمة سوف تكون السبب في تغير حياتها ، فقد طلبت منها زميلتها داليا  ، التي تزوجت حديثا من صحفي على وشك إصدار مجلة خاصة به ، و كانت داليا تلك تعلم أن لدى فاطمة ميولا أدبية منذ أيام الجامعة ، و كان طلبها محددا فهي تريدها أن تتولى تحرير عامود أسبوعي في المجلة التي سوف يصدرها زوجها .

 

كانت فاطمة منذ صغرها سريعة في اتخاذ القرارات لا تضيع الوقت في التردد و لا تعطي لأي موضوع أكثر مما يستحقه من وقت  و لذا ما إن وضعت السماعة حتى هاجمتها الأفكار التي كانت أولها و أصعبها كيف تحصل على موافقة حسام زوجها ، الذي رأيه ثابت و لا يتغير تجاه موضوع عملها أي كان و حتى فرضا أنه وافق رغم عناده الشديد و تمسكه برأيه فإنها لن تسلم من سخريته المعتادة و لاسيما إذا لم تنجح في الاستمرار في كتابة عامودها المفترض ، فحتى هوايتها في كتابة القصة القصيرة كانت دائما مثارا لسخريته كلما جمعتهم جلسة مع أهل أو أصدقاء ، و لذا قررت أن تقبل عرض داليا ، و لكنها للمرة الأولى منذ زواجهما لن تخبر حسام بما سوف تفعله ، قررت أن تخفي عنه عرض صديقتها و قبولها له حتى يمر عدة شهور و ترى هل سوف تنجح هذه التجربة أو لا حتى تتقي سخريته منها و نقده لكل تصرفاتها ، و كان معنى ذلك أن علىها أن لا تضع اسمها على المقالات ، و لكن ذلك حله سريع فهي يمكن أن تكتب المقالات بحروف اسمها فقط ف.ج .

 

و كانت العقبة الثانية أصعب من الأولى ، فالمجلة ذات طابع خاص ، ليس من المفترض أن تحوي بين صفحاتها أي أخبار أو مقالات سياسية من منطلق " ابعد عن الشر و غني له "و ذلك كان يضيق النطاق أمامها فماذا سوف تكتب ؟!، أتكتب في الاقتصاد أو الرياضة و هي لا تجيد الكتابة عنها ، أتكتب عن الفن و الفنانين رغم أنها لا تحب هذا المجال لكثرة القيل و القال فيه و ما يصحب ذلك من ظلم و نفاق و نميمة ، و لذا فكرت أن تكتب عن التعليم و مشاكله أو في النقد الأدبي و لكن في النهاية هداها تفكيرها على أن يكون العامود عن الرومانسية و الحب و الزواج و هذا موضوع يهم كل الناس ، و مجالات الكتابة فيه كبيرة و متنوعة ، و لكن كيف تكتب عن الرومانسية و هي لا تعيشها ؟! ، كيف تكتب عن الحب و هي لم تجربه ؟! ، ماذا تكتب عن الزواج ؟! ، أتكتب أنه شركة بين اثنين تجمعهما غالبا الرغبة في تكوين أسرة ، أتكتب عن

البرود و الصمت الزوجي الذي يصيب أي زواج بعد مرور سنتين أو ثلاث سنوات على الأكثر؟ و لكن كيف لها أن تكتب عن واقع الحياة المجرد و تهدم آمال و أحلام جيل قادم يحلم بالرومانسية و الحب الذي سوف يدوم مدى الحياة حتى بعد الزواج ؟ كيف تشرح لهم أن في ظل الصراع وراء المادة و الطموح و إيجاد مكان في العالم ينسى بعضهم و هم كثيرون أن يعيشوا حياتهم ، نعم هم أموات يتنفسون.

و أخيرا قررت و وافقت أن تتولى كتابة هذا العامود الأسبوعي الذي سوف تسميه " عودة للرومانسية " ، ووجدت أنها لكي تنجح في كتابة هذا العامود ، يجب أن تتجرد من لقب الزوجة و الأم خلال كتابتها له ، و أن تلبس ثياب طالبة جامعية تنتظر بلهفة الصباح حتى تقابل حبيبها في الجامعة ، أو تلميذة مراهقة تترك حصة التدبير المنزلي خلسة لتقابل صديقها الذي تعتقد أنه الحب الأول و الأخير في حياتها ، أو تلبس ثياب زوجة محظوظة حباها الله بزوج طيب حنون يحبها و يقدرها .

 

  لكن ذلك لم يغير من الخوف الذى تحسه ،فهي تتذكر بالكاد تلك المشاعر التي كانت تحسها ، فهي عندما تزوجته كانت مليئة بالمشاعر الفياضة و الأحاسيس ، دخلت عشها و في مخيلتها قصص إحسان عبد القدوس و أغاني أم كلثوم ، دخلته و كلها أمل أن تحيا هذه الرومانسية التي طالما حلمت بها ، و لكن ذلك كله ذهب هباء مع حسام ، فهو إنسان عملي واقعي ، لا يقدر المشاعر و لا يظهرها ، يمكن خوفا على أن تفسر أنها ضعف أو ترف لا حاجة له أو ربما من تأثير ما يتردد على أسماع الرجل الشرقي منذ نعومة أظفاره أنه من الضعف إظهار المشاعر و أنه حين تظهر مشاعرك لزوجتك فهي تسيطر عليك و كل تلك المفاهيم الخاطئة التي تقف كالسد المنيع في أي علاقة زوجية ، حتى عندما رزقهما الله لمياء و أدهم لم تظهر عليه مظاهر الأبوة العادية التي من المفترض ظهورها على كل أب .

و لذا كان حتما عليها أن تخنق الرومانسية ، تخرجها من حياتها للأبد فلا مكان لها في حياتها  لتستريح ... و أخيرا استراحت ، فلا آهات و لا دموع و لا توقعات و أماني مصحوبة بخيبة الأمل و لا نظرات حسرة و احتياج و غيرة و أخيرا و بعد معانة و صراع شديد بداخلها استطاعت أن تتحول من شخصية حالمة رومانسية تشتاق لذراعي زوجها لتجد فيهما ملاذها و أمانها ، تحتاج لذراعيه تطوقانها بحنان أو ليده تربت على كتفها في لحظات الخوف التي تصيب أي إنسان ، و إلى كل هذه الاحتياجات النفسية التي تنتظرها كل زوجة من زوجها  ، و لكنها بعد معاناة شديدة استطاعت أن تعالج من مرض الرومانسية ، أن تخرجه من جسدها نهائيا ، استطاعت أن تتحول من إنسانة رومانسية حالمة تشتاق لزوجها إذا غاب عنها يوم إلي إنسانة باردة المشاعر ، عملية ، لا تهتم إلا بأولادها و منزلها ، زوجها تعطيه بالقطارة ، كل طلباته مجابة ، كل حقوقه يأخذها و إنما  ذلك كله ب(المازورة ) ، لم يعترض ، لم يطالب بعودة الرومانسية بينهما ، حتى نسيت أنها شابة ذات قلب يطالب بالحب و المشاعر حتى يتنفس نسيت  ذلك كله و عاشت زوجة و أم فقط .

 

بعد أن نزل زوجها و الأولاد للمدرسة في الصباح ، جلست لتبدأ أولى خطواتها في مشوار طويل ،و كان أكثر ما يشغل بالها أنها سوف تجد مشقة في تذكرها ، في تذكر تلك الرومانسية الجميلة التي كانت تجري في دمها ، و لكنها ما إن لمس قلمها الورق لتخط أول كلمه في مشوارها الجديد حتى هاجمتها الأفكار بشدة ، و الكلمات تتصارع لتخرج للورق سريعا ، جلست تكتب و تكتب لم تتوقف لمدة ثلاث ساعات كاملة ، كأنها تخاف إذا توقفت قليلا للراحة ، أن يهرب منها قلمها خذا معه أفكارها .

كانت أول مقالة لها عن الاحتواء ، الاحتواء الذي طالما تمنت أن تجده عند زوجها :

"ما أجمله هذا الاحتواء الذي يغلف أي علاقة جميلة ، فأجمل إحساس عند أي امرأة في العالم أن تحس بالدفء و الأمان بين ذراعي من تحب ، هذا الدفء و هذا الأمان هما الاحتواء ، هذا الاحتواء الجميل الذي معه تحس المرأة أي امرأة أنها ملكة العالم ، تحس أنها تطير فوق السحاب تمسك النجوم بيديها ، فالمرأة عندما تحب تهب نفسها كليا لمن تحبه ، كل ثانية في نهارها تفكر فيه ، تراه في وجوه كل من تقابلهم ، تنتظر لقاءه ، تنتفض عند كل جرس للتليفون معتقدة أنه هو ، أما في المساء فإنها تحلم به منذ أن تغمض عينيها حتى تفتحهما في الصباح ، و لا تنتظر أي مقابل و لا تطالب حبيبها بشيء سوى أن تحس معه بالاحتواء ....  "

استمرت فاطمة في الكتابة عن الاحتواء و الحب حتى أنهت أول مقالة لها ، و في المساء بعد نوم أطفالها ، استأذنت حسام في الخروج ، و كالعادة لم يسألها حتى إلي أين هي ذاهبة ، و ذهبت و سلمت المقالة لداليا و زوجها بهجت القليوبي و سلمتهما أول أعمالها و اتفقت معهما على أن تكتب هذا العامود بالحروف الأولى من اسمها ، و اعترضت داليا و لكن زوجها وافق و اعتبر الغموض و الفضول الذي سوف يحيط بالحروف الأولى سوف يشد الانتباه للمقال و من ثم للمجلة .

بعد أسبوع تلقت فاطمة رسالة من داليا تبلغها فيه بصدور العدد الأول من المجلة و أنه سوف يصلها لمنزلها ، و في تلك الليلة لم تذق فاطمة النوم من فرط الإثارة و منذ السادسة صباحا انتظرت البواب مصطحبا معه الجرائد و المجلة ، التي وصلت أخيرا حاملة بين طياتها أول إنتاجها في العودة للرومانسية .

 

دست المجلة في وسط الجرائد ، آملة أن تلفت نظر زوجها فيقرأها أو حتى يتصفحها ، جلست أمامه كقطة متحفزة ، تنتظر منه أن يلتقط المجلة ، و لكنه لم يفعل في هذا الصباح و لا في الأسابيع التي تلته .

حتى كان صباح يوم جمعة ، و بينما كانا يتناولان طعام الإفطار في الشرفة ، امتدت أصابع زوجها بلا مبالاة ليلتقط المجلة ، و ما إن بدأ يقلب صفحاتها حتى حبست أنفاسها منتظرة منه أي تعليق أو رد فعل و لكنه انتهى منها و قذفها على المنضدة بلا اكتراث .

بدأت المجلة تنال إعجاب القراء ، و أصبح لها على مرور الشهور عدد كبير من القراء ، و كانت فاطمة ذات النصيب الأكبر من المعجبين بعامودها ، و كانت تصلها على مقر المجلة عشرات من الرسائل من معجبين بكتابتها أو حائرين  يطلبون مشورتها .

منذ زواجهما اتفقت فاطمة مع حسام أنه يحق لكل منهما أن يقضى يوما مع أصدقائه القدامى ، و لذا لم يمانع حسام في أن تقضي يوم الإثنين من كل أسبوع وحدها مع صديقاتها ، و بعد التطورات الجديدة في حياتها ، أصبحت تقضي معهن ساعة واحدة لتناول الغذاء و تنتهز بقية اليوم لتذهب للمجلة ، حتى تتمكن من قراءة رسائل المعجبين و ترد عليهم ، و ظل الحال هكذا عدة شهور ، حتى لاحظت من بين الرسائل التي تصلها ، رسالة مميزة ، تصلها بانتظام كل أسبوع ، رسالة مكتوبة بعناية و دقة على الكمبيوتر ، رسالة موجزة ،لا تحمل إمضاء ، يبث كاتبها بكلمات رقيقة و محترمة تدل على إعجابه بكتابتها ، ثم تطورت هذه الرسائل متطرقة حياة كاتبها الشخصية و كيف أنه غير سعيد مع زوجته التي لا يحس معها بأي من تلك المشاعر التي تكتب عنها ، و كيف يتمنى أن تقرأ زوجته مقالتها حتى تتعلم مما تكتبه ، و أبدا لم يطلب منها أي رد على تلك الرسائل ، و كانت عند هذا الحد تعتبرها رسالة عادية من عشرات الرسائل التي تصل إليها كل أسبوع ثم تطورت تلك الرسائل ، لرسائل إعجاب بشخصية الكاتبة لتلك المقالات الرومانسية الجميلة .

>