حصريا لموقع الهوانم

أنتظرونا في مفاجأة خاصة مع د / باسم خليفة أخصائي تغذية - سمنة والنحافة
في انتظار اسئلتكم واستفساراتكم علي موقع الهوانم على مدار 24 ساعه لمدة اسبوع كامل من خلال اسألى الهوانم


الحِكمة عند القدماء المصريين

23-اكتوبر-2011

كلمة "الحِكَم" فى معناها الواسع تعنى الاعمال المختلفة التى تعكس وضع اخلاقى يقوم على ذكاء الكون، وعلى المبادئ التى تنظمه؛ وفى معناها الضيق، "الحكمة" هى مجموعة من الاعمال الأدبية التى تهدف الى تعليم أسس القواعد الخاصة بالتصرفات الانسانية التى تنظم الحياة. فان


كلمة "الحِكَم" فى معناها الواسع تعنى الاعمال المختلفة التى تعكس وضع اخلاقى يقوم على ذكاء الكون، وعلى المبادئ التى تنظمه؛ وفى معناها الضيق، "الحكمة" هى مجموعة من الاعمال الأدبية التى تهدف الى تعليم أسس القواعد الخاصة بالتصرفات الانسانية التى تنظم الحياة. فان الحكمة هى الفلسفة. وفى مصر الفرعونية فان الحِكَم التى تركها لنا أجدادنا ستظل اكبر واكثر ثراء من كل الكنوز التى تركوها لنا فى شكل أثار؛ بالرغم من أهمية تلك الأثار لانها تسجل تاريخنا، ولكن تلك الحٍكَم تعطينا فلسفة الحياة وتؤكد على ان الاخلاقيات العامة التى تنص عليها الوثائق والحضارات كلها تأتى من مصدر واحد، وهو مصر الفرعونية.
والكتاب الذى نحن بصدد عرضه هو تجميع للتعاليم العملية والاخلاقية التى تم ترجمتها الى الانجليزية والالمانية من الهيروغليفية، قام بها باسكال فيرنو، الباحث الفرنسى، والرجوع الى الاصل الهيروغليفى فى بعض منها. يضم الكتاب 17 حكمة جاءت من الاسرة الوسطى فى الفترة التاريخية من بداية الالفية الثانية قبل الميلاد الى نهاية الحقبة الملكية فى القرن السادس قبل الميلاد. بعض تلك النصوص لم تكن كاملة، وبعضها كان كاملا وواضحا. ويؤكد الكتاب فى المقدمة على أهمية تلك الوثائق التى أثرت فى الحضارات التالية للحضارة المصرية. فهناك حكمة أمينيموبى الروحانية، وتلك التى قدمها ميريكرع والتى تعتبر تأملات فى مسألة السلطة والسياسة، حيث يقوم الفرعون بنقل تجاربه الى خليفته. وفى وثائق أخرى يقوم الفرعون بتعليم شعبه القيم الاساسية، وهذا التعليم هو جزء اساسى من واجبات الفرعون، فنرى الفرعون حورمحب فى الاسرة الثامنة عشر، يعطى الحكمة الى القضاة الذين قد يخطأون الطريق. فيقول الفرعون فى الوثيقة: "ها هى تعاليمى اليهم: لا ترتبط مع رجال اخرين؛ ولا تقبل مكافأت او اكراميات من أخر".
يصف كبار الرجال فى الدولة هذه التعاليم بانها "تعاليم الحياة": "سعيد هذا الذى يسمع تعاليم الحياة الخاصة به". أما تعاليم اخناتون فهى تلك التى اعطاها من اجل تنظيم جزء من معبد أتون على الموقع الحالى فى تل العمارنة. كما ان هناك مجموعة من الوثائق المختلفة التى يعطيها الاستاذ لتلميذه كى ينسخها، وهى النسخ التى قام بها التلميذ. ولكن يقول الكتاب ان من الواضح ان هؤلاء الذين يعطون التعاليم هم اصحاب تلك الأفكار، فقد تنبأ نيفرتى على سبيل المثال بقدوم فرعون ينقذ البلاد بعد فترة من الاضطرابات. بينما يقوم خاع خيبيرع سينيب، بتقديم منولوج ينتقد الفوضى والاضطرابات الحالية التى خلقت وضعا لم يسبق له مثيل من قبل.

من يعلم من؟
من المفترض ان المعلم شخص ذو تجارب وخبرة حتى تكتسب تعاليمه مصداقية؛ ومن المفترض ان يكون المتلقى من الجيل الجديد الذى يستعد لمواجهة مرحلة جديدة من حياته. فهما إما أب وإبنه، كما هو فى وثيقة بتاح حتب. وتشير وثائق الى ان التعاليم يقوم بها وزير، مما يعنى شخصية ذات ثقل، أراد نقل ما تعلمه فى الحياة الى خليفته فى المنصب، بعد ان شعر أن قواه بدأت تضعف نظرا لكبر سنه. تعاليم الاب لأبنه تعود أيضا فى "تعاليم تشيتى" و"أنى"، واخرين.
ولكن فكرة العلاقة بين الأب والإبن، ليست بالضرورة علاقة فعلية، قد تكون روحانية؛ مثل العلاقة التى تربط بين الاستاذ وتلميذه. فالمتلقى قد يكون شاب فى مرحلة المراهقة من عمره، وقد يكون أكبر من ذلك؛ ولكنها فى كل الاحوال تتطلب من الاستاذ ان يكون ذو سلطة ، وان تكون خبرته فى الحياة مكتملة، فان ثقل السنين تعطى للكلمات ثقلها؛

التعاليم الاخلاقية
هناك تعاليم دقيقة ومحددة مثل نصيحة أنى: لا تحتسى الخمر بكثرة، او نصائح "بتاح حتب" فى الزواج. او نصائح عن رؤيته العامة فى الحياة.
فينصح أنى بضرورة ان يكون للمرء منزله الخاص، وان يدير جيدا ممتلكاته؛ كما ان عليه ان يهتم ايضا بقبره فى حياته. كما ينصح حورجديف. ويشير أنى الى ضرورة الاهتمام بجنازة الأب والام، خاصة الأم التى يجب ان يظهر لها الشخص احتراما خاصا.
يهتم المعلمون بأن ينصحوا الشباب بتكوين عائلة، وان يكون له أبناء؛ وتتوالى النصائح من كل المعلمين حول ضرورة معاملة الزوجة معاملة جيدة، والحذر من النساء؛ كما ان هناك أوراق تظهر تعاليم تمنع التحرش بالاطفال.
كما ان الاهتمام بالعائلة لا يقتصر على العائلة المباشرة، بل يمتد الى العائلة الاكبر، ومن المستحب ان يكون للمرء اصدقاء يحترمهم. وان توسعت دائرة المعارف، فان من النصائح ان يختار المرء اصدقاء ومعارف ينتمون الى نفس الطبقة، وفى نفس الوقت ينصح المعلمون بانه فى الحياة الاجتماعية يجب ان يكون للشخص علاقات جيدة مع الاخرين، وان يتعلم كيف يتعامل معهم بمودة وتهذيب، واحترام كبار السن والاكبر فى المقام؛ والتصرف بحكم المستوى العلمى والاجتماعى.
كما يدعو المعلمون الى الامتناع عن: الانحياز لجانب عن جانب، وعن الفساد، وعن الطمع فى امتلاك ممتلكات من هم أقل شأنا، وعن التزوير بكل أشكاله، وعن كتابة اشياء غير صحيحة، وعن الشهادة الزور، وعن الغش فى الميزان، وعن تغيير حدود الاراضى.
ودعا المعلمون الى مساعدة الضعيف بكل الأشكال، واحترام هؤلاء الذين لم تكن الحياة كريمة معهم، وحماية المساكين، ولا يطلب ضريبة ممن لا يملك شيئا، ولا يطلب من الفقير تسديد مصاريف المدرسة، ومساعدة الارملة والغريب.

وعلى المستوى العام، والتعميم، فان السلوك يتم تحديده بمبدأ أساسى هو: التوازن فى كل شئ. الابتعاد عن العجرفة والزهو، وعن الألاعيب واللجوء الى الحيل، وعن المشاريع طويلة المدى، وبالذات دعا المعلمون الى الابتعاد عن الجشع والرغبة الشرهة فى الربح مما يهدد بتدمير الروابط الاجتماعية. ولكن فى المقابل يدعو المعلمون الى احترام النظام العام والى التحفظ والتواضع واحترام التوازنات فى كل شئ.

الصمت والحديث
والاهم بالنسبة للمعلمين ان يستطيع المرء ان يتعلم الصمت ويتعلم ان يتمالك نفسه ويمتنع عن ردود الفعل المتسرعة والاندفاعية. لنفعل ما هو مناسب ولكن بدون مبالغة، وليكون هناك وقت للمرح والترفيه.
أما بالنسبة للحديث، فيجب ان يتعلم المرء حسن الحديث؛ ففى عالم حيث الكلمة اهم من السلطة، اهتم المعلمون باعطاء القواعد التى تعنى بحسن الحديث خاصة للجهلة غير المتعلمين. فقدم المعلمون تصورهم لأهمية طريقة الحديث فى الحوارات، والاهتمام بالألفاظ والتعبيرات المستخدمة، وفى النهاية يركز المعلمون على سلبيات الكذب والنفاق والخداع والقيل والقال.

خارطة الطريق
كل ما سبق يتطلب بالضرورة تحديد تصور معين لأسلوب التصرف فى الحياة، وذلك يتأتى حسب القواعد المصرية القديمة، من خلال تعلم القواعد الاجتماعية. واعطاء العلامات التى تحدد خارطة طريق الحياة. لذا يقول الكتاب ان الحكم المصرية القديمة هى فى الاساس عملية، ومفيدة.
والمبدأ النهائى للتصرفات فى الحياة هو ان يقبل المرء ان يتبع القواعد ويطيع التقاليد بدون ان يغذى طموحات مبالغ فيها، ولكن ان يسلم وجهه الى الإله الذى يضع اقدار كل واحد مننا حسب خطة لا يعرفها أحد.
هذه القواعد الاخلاقية التى وضعها المصريون القدماء هى نفسها التى وضعتها كل الحضارات المتلاحقة والتى تنص عليها الأديان كلها. إنها الحكمة المصرية التى هى أساس كل الحكم.








>