حصريا لموقع الهوانم

أنتظرونا في مفاجأة خاصة مع د / باسم خليفة أخصائي تغذية - سمنة والنحافة
في انتظار اسئلتكم واستفساراتكم علي موقع الهوانم على مدار 24 ساعه لمدة اسبوع كامل من خلال اسألى الهوانم


لن تخسر شيئا الا حياتك

9-اكتوبر-2011

ذلك هو الكتاب الثانى للمهندسة المعمارية الفلسطينية سعاد عميرى، وبالرغم من ذلك استطاعت عميرى ان تحصل على شهرة واسعة فى الاراضى الفلسطينية، حيث تعيش، وفى بريطانيا حيث صدر الكتاب، وفى معظم الدول العربية التى عرضته.

 

 

ذلك هو الكتاب الثانى للمهندسة المعمارية الفلسطينية سعاد عميرى، وبالرغم من ذلك استطاعت عميرى ان تحصل على شهرة واسعة فى الاراضى الفلسطينية، حيث تعيش، وفى بريطانيا حيث صدر الكتاب، وفى معظم الدول العربية التى عرضته.

ولا تخفى سعاد عميرى انها اصبحت كاتبة بالصدفة المحضة، واول كتاب لها كان بعنوان "حماتى وشارون"، فقد كان يكفى ان يأتى آرييل شارون، رئيس وزراء اسرائيل آنذاك، ليحتل الاراضى الفلسطينية فى رام الله عام 2003، وتأتى حماة سعاد عميرى والتى كانت تبلغ الواحد والتسعين من عمرها، لتحتل منزلها، لتتحول المهندسة المعمارية الى كاتبة مرموقة. وتتحول الاحداث الكارثية الى سرد فكاهى يتميز بالكثير من الفطنة والذكاء وخفة الظل.

 

وجاء ثانى كتب سعاد عميرى الذى صدر بعنوان: "ليس لديك شيئ تخسره الا حياتك"، والذى كتبته بنفس الروح، يمكن اعتباره الجزء الثانى من سلسلة يوميات عميرى فى زمن الاحتلال. فقد قررت سعاد القيام برحلة مع مجموعة من العمال الفلسطينيين عبر الاراضى الفلسطينية المحتلة الى اسرائيل عبر الجدار المسلح؛ كانت الرحلة من اصعب الرحلات التى قامت بها، استغرقت 18 ساعة لعبور منطقة لا تأخذ اكثر من 30 دقيقة بالسيارة، بدأوا الرحلة بـ 24 عاملا، وانتهوا بأربعة فقط، منهم من اعتقل ومنهم من قتل. ولكنها رحلة تمكنت خلالها من التعرف على الشعب الفلسطينى المكافح العامل، كما سمحت لها باكتشاف فلسطين الجديدة، التى لم تعرفها والتى شعرت فيها بالغربة الشديدة.

بدأت عميرى قصتها مع مراد، العامل الفلسطينى الذى يبلغ الواحد والعشرين عاما من عمره. وتقول عميرى ان مراد يعمل فى اسرائيل منذ ان كان يبلغ الثالثة عشر من عمره. وفى عام 2000 قرر شارون انه لم يعد يريد تشغيل عمال فلسطينيين، وهكذا فى يوم واحد فقد 150 الف عامل فلسطينى العمل، مما يعنى ان مليون فلسطينى فقد سبل المعيشة؛ وكان ذلك نتيجة لقيام اسرائيل ببناء الجدار الخرسانى الذى يفصل بين اسرائيل والاراضى الفلسطينية المحتلة.

اعتبرت عميرى ان بناء الجدار مثل نكبة عام 1948، من اكثر الاحداث التى أثرت فى حياة الشعب الفلسطينى. وتحاول عميرى ان تصف الجدار، او تجد له تفسيرا، فتقول كيف ان الاسرائيليين اعتبروا الجدار "للدفاع عن انفسهم ضد الهجمات الفلسطينية"؛ ولكن أى اسرائيلى؟ فهناك نصف مليون اسرائيلى يعيش مع الفلسطينيين فى الجانب الفلسطينى من الجدار: ربع مليون مستوطن وربع مليون اخر فى القدس؛ فى نفس الوقت هناك ربع مليون عربى يعيش فى الناحية الاخرى من الجدار، بالاضافة الى نحو مليون عربى فى اسرائيل. اذن الجدار لم يقم بالفصل بين العرب واليهود، فكيف اذن يكون من اجل الحفاظ على الامن؟؟؟

هذا الجدار منع مراد من الانتقال للعمل فى اسرائيل، على الاقل بشكل رسمى. والتقت سعاد به عندما جاءها للعمل لديها. ولكن عندما عرفت قصته وعرفت مدى المعاناة التى يتكبدها يوميا فى محاولاته الدخول بشكل غير رسمى الى اسرائيل بحثا عن العمل، هو وزملائه، بعد بناء الجدار، ادركت سعاد عميرى ان ما نسمعه فى الاخبار اليومية وما نقرأه فى الصحف عما يحدث فى الاراضى المحتلة واسرائيل ليس له علاقة بما يقع بالفعل لاكثر من 150 الف عامل فلسطينى، كل يوم.

هنا قررت سعاد عميرى ان تذهب مع مراد عبر الجدار الى الجانب الاخر، لترى بنفسها وتشعر بما يعانى منه ابناء وطنها من العمال الجادين.  وعندما ابلغت مراد برغبتها التوجه معه الى الجانب الاخر من الجدار، صاح فيها: هل انت مجنونة؟؟ فأجابت بكل بساطة: نعم انا مجنونة. ففى الاخبار اليومية هناك دائما خبر عن قيام الجيش الاسرائيلى باطلاق الرصاص او قتل او اصابة شاب فلسطينى، اذن كانت سعاد عميرى على دراية تامة بما يمكن ان ينتظرها فى رحلتها. ولكن تلك الاخبار لم تثنيها عن عزمها، بل زادتها اصرارا.

وفى يوم السبت، يوم الاجازة المقدسة لدى الاسرائيليين، عزمت سعاد على الذهاب مع مراد وزملائه الى اسرائيل. بدأت الرحلة فى الساعة العاشرة والنصف مساء؛ ارتدت سعاد ملابس العمال الفلسطينيين، وتحولت من سعاد الى سعود. وكتبت تجربتها الفريدة من جزئين:  جزء يروى قصتها على الجانب الفلسطينى من الجدار، وكل المضايقات التى تقابل العمال فى الضفة الغربية؛ ثم قصة عبور الجدار، والجزء الاخير، قصة الاحداث داخل الاراضى الاسرائيلية.

فى الجزء الاول حصلت سعاد على هويتها الجديدة وتوجهت الى نقطة التفتيش. ولكن لم يكن هناك اى ضباط اسرائيليين. وتقول سعاد: انه من المخيف الا نجد ضباط عند نقطة التفتيش، لانهم ان حاولوا الاستمرار فى السير بالسيارة عبر النقطة، فان الضباط قد يرونهم، وقد يطلقوا الرصاص عليهما. وهذا كان اول فصل فى رحلة طويلة مخيفة: عبور نقطة تفتيش ليس بها ضباط جيش!!!!

فى الساعة الثانية والنصف صباحا جاءت شاحنة لنقل العمال الفلسطينيين، كان هناك 24 عاملا فلسطينيا ومعهم سعاد. كان وجود امرأة بين 24 عاملا فلسطينيا امر غريب بالنسبة لهم؛ وفى البداية تقول سعاد انهم كانوا يحاولون ان يبدون غير ما يبطنون. فكانوا يحاولون ان يظهروا شجاعتهم ورجولتهم، وظلوا يقصوا عليها قصص خيالية عن مدى شجاعتهم؛ وتدريجيا بدأت المحادثة تعود الى الشكل الطبيعى، وبدأت القصص تبدو اكثر واقعية.

بعد مسيرة ليست بقليلة القتهم الشاحنة فى مكان ما فى ظلام الليل؛ ثم بدأوا يسيرون وسط الظلام وبين اشجار الزيتون. ووسط تلك الظروف المخيفة لم تفت سعاد ان تلاحظ انها لا تستطيع مجاراة هؤلاء الشبان فى السير، وادركت ان عليها ان تفقد الكثير من وزنها وان تعود مرة اخرى لممارسة الرياضة حتى تستطيع ان تقوم بمثل تلك الرحلات!!!! وبعد ساعتين من السير سمعت سعاد صوت مراد يصيح بشتائم بذيئة وتبعه الاخرون؛ فبدأت تتنبه لما حولها وتتساءل: "ماذا يحدث؟ ماذا يحدث؟" وفجأة ظهر العساكر الاسرائيليون هناك أمامهم. ماذا نحن فاعلون الان؟ لا شئ، فقط نجلس على الارض الى ان يمضوا.

كان الاسرائيليون فى سيارة جيب، وجلس الفلسطينيون على الارض فى انتظار رحيل الاسرائيليين. انتظروا كثيرا، وبدأت تتزايد اعداد الفلسطينيين العمال القادمين من القرى الاخرى الى منطقة الزاوية. ولماذا تلك المنطقة بالذات؟ لان، كما تقول سعاد، لم يكن الجدار قد بنى بالكامل بعد، فقد كانت هناك منطقة مصورة بالاسلاك الشائكة، فقام الفلسطينيون بقطع جزء منها لعمل مخرج لهم. وبدأوا يعبرون الاسلاك الواحد بعد الاخر. كان هناك حوالى 500 الى 600 عامل فلسطينى؛  

بعد انتظار طويل قال مراد: هيا بنا نتقدم. فسألته سعاد: نتقدم الى اين؟ قال: الى هناك، هيا نتقدم الى الاسرائيليين، فليس من المعقول ان يقتلوا او يعتقلوا 600 فلسطينى، قد يقتلوا واحد وقد يعتقلوا خمسة؛ هذا كل ما فى الامر.

 

وانطلق الفلسطينيون وبدأوا يسمعون طلق نارى، وبالطبع سقط البعض، ولكن العديد منهم استطاع ان يعبر وينطلق الى الجهة الاخرى. وظلت الامور تمر بنفس الطريقة طوال اليوم: ينطلقون ويعودون، ثم يتقدمون مرة اخرى ثم يعرضون.. ان أخطر منطقة بالنسبة للعمال هى الضفة الغربية، فى هذا المكان حيث الاسلاك الشائكة، هناك يتم اطلاق النار فعلا، وهناك شعرت سعاد بالخوف الحقيقى. فمن بين 24 عاملا بدأوا الرحلة مع سعاد، تمكن 4 فقط من الوصول الى الجهة الاخرى. أما الاخرين فقد تم القاء القبض عليهم!!!! كان من الممكن ان تكون سعاد واحدة منهم.

 

تبدأ المرحلة الثانية من الرحلة فى الجانب الاسرائيلى. هناك يقول مراد لسعاد انهم سوف يستقلون شاحنة مع الاسرائيليين. كيف؟ لقد كنا فى حالة هروب دائم من الاسرائيليين والان تريد منا ان نستقل شاحنة معهم؟ نعم، فقط تعالى معى.

ثم نظرت سعاد حولها، وفجأة لم تجد الا محمد معها، اين الباقين؟ ثم فجأة رأتهم فى الخلف يتبادلون الثياب. وتقول سعاد ان الفلسطينيين فى تلك المنطقة يحاولون ان يبدون مثل الاسرائيليين خاصة عند نقاط التفتيش. فكيف قاموا بالتحول؟ اولا ارتدوا نظارات شمسية، ثم قاموا بربط شعرهم ذيل حصان، ثم خلعوا الجاكتات ورفعوا اكمام قمصانهم؛ وهكذا بدوا جميعا مثل الاسرائيليين.

لم ينجح الاربعة فى ركوب الشاحنة الاولى لان السائق طلب منهم بطاقة تحقيق الهوية، لان للفلسطينيين فى كل مكان بطاقة مختلفة؛ ولم يكن لديهم بطاقة الفلسطينيين المقيمين فى القدس. فى الشاحنة الثانية طلبوا من سعاد ان تتقدمهم، وبالانجليزية طلبت اربع تذاكر، فقدم لها السائق التذاكر بدون اسئلة. فلم تكن تبدو فلسطينية للسائق. تقول سعاد ان ما يثير اعصابها فى اسرائيل هو انها دائما تشعر بعدم اطمئنان: فهى دائما تفكر كيف تبدو وباى لغة تتحدث، فى اسرائيل تصبح واعية تماما لنفسها وهويتها. وهو ما تكرهه فى اسرائيل.

ولكن بالنسبة لمراد والعمال الاخرين، فان اسرائيل بالنسبة لهم هى حقيقة، واقع. يذهبون اليها يوميا يعرفون كل شئ عنها وعن مناطقها، ويعرفون كيف يتعاملون مع أهلها؛ بالنسبة لهم اسرائيل واقع مرير، ولكنها واقع؛ اما بالنسبة لسعاد التى تعيش فى يافا فان اسرائيل واقع  غير حقيقى لا تعرف كيف تتصرف معه.. ويجعلها فى حالة وعى دائم بهويتها.

تقول سعاد كيف قام هذا الكتاب بتغيير حياتها. فمن اجل كتابة تلك القصة قامت بأهم رحلة فى حياتها، إذ أحيانا يبدأ المرء شيئا بدون ان يدرك مدى تأثيره عليه؛ فمن الرحلة تعرفت سعاد بفلسطين الحقيقية، ومن خلال تلك الرحلة اصبحت اكثر تفهما لمعاناة العمال الفلسطينيين؛ سألت احدهم عن مشاعره عندما يقوم ببناء منزل مواطن اسرائيلى فى مستوطنة يهودية؛ فنظر اليها العامل باستياء شديد وقال: يا دكتورة، انت لا تملكين ان تسألين هذا السؤال لان لديك عمل بالفعل. لا اعرف لماذا عندما يفقد موظفو السلطة الفلسطينية عملهم، يتحدث عنهم العالم كله، بينما العمال الفلسطينيين لا يجدون عمل منذ عام 2000، ولا يهتم بهم احد. أما عن مشاعره فأحيانا ينظر الى المستوطنة ويقول لنفسه كيف ان كل احتلال فى التاريخ انتهى يوما ما، وهذا الاحتلال يجب ان ينتهى فى يوم من الايام، لذا سوف يبنى اجمل المنازل ربما سيكون منزله او منزل فلسطينى عندما تتحرر الاراضى.

لقد أدركت سعاد خلال الرحلة ان فلسطين التاريخية، فلسطين التى عرفتها، لم تعد كما كانت لقد تغيرت كثيرا، الى حد انها شعرت فى وطنها بالغربة.

 

 

 

>