حصريا لموقع الهوانم

أنتظرونا في مفاجأة خاصة مع د / باسم خليفة أخصائي تغذية - سمنة والنحافة
في انتظار اسئلتكم واستفساراتكم علي موقع الهوانم على مدار 24 ساعه لمدة اسبوع كامل من خلال اسألى الهوانم


كده و كده

21-اغسطس-2011

لم يقدم احد المؤرخين الاجتماعيين ، او اساتذة التشخيص ، او نقاد الفنون فى بلدنا السعيد – حتى اللحظة الراهنة – تفسيرا لتلك الطريقة العجيبة التى يؤدى بها نجوم الدراما المصريين ادوارهم فى المسلسلات التليفيزيونية . وبالنظر الى اننا فى عز ( دعونا من عز درءا للشبهات )، أقصد أننا فى ( ذروة ) موسم المسلسلات ، فان إحساسنا بذلك النمط فى تشخيص المشخصين تزداد وطأته بطريقة لم تفسد – فحسب – متابعاتنا للدراما ال

لم يقدم احد المؤرخين الاجتماعيين ، او اساتذة التشخيص ، او نقاد الفنون فى بلدنا السعيد – حتى اللحظة الراهنة – تفسيرا لتلك الطريقة العجيبة التى يؤدى بها نجوم الدراما المصريين ادوارهم فى المسلسلات التليفيزيونية .

وبالنظر الى اننا فى عز ( دعونا من عز درءا للشبهات )، أقصد أننا فى ( ذروة ) موسم المسلسلات ، فان إحساسنا بذلك النمط فى تشخيص المشخصين تزداد وطأته بطريقة لم تفسد – فحسب – متابعاتنا للدراما الرمضانية ، و إنما دمرت حياتنا ذاتها ، حين قرر الزملاء من أبناء الوطن أن يستلهموا طرائق التعبير عن النجوم الممثلين لتصبح هى وسائلهم للتفاهم ، و الحوار ، و الحب ، و الشجار .

OVER  كلمة أعجمية إشتق منها المصريين المحدثون لفظة ( أفورة ) بمعنى المبالغة فى الاداء ...... و بيقين فان الافورة هى التعبير الذى يستطيع المرء ان يطلقه –بكل إرتياح – على اداء الممثلين و الممثلات المصريين و الذى يخاصم الطبيعة و الاسترسال ، و يعانق الصنعة و الافتعال ، وهو ما صار علامة اداء تجارية لشكل الحياة فى بر مصر ، حين بات الناس – كلهم – ممثلين ، و نزعوا الى " الافورة " فصارت الحياة كلها over  ليس فيها شئ يكنهه الحقيقى ، و انما أصبحت كده وكده !!

اذا أرادت البنت ان تحب فلابد ان ترتعش يديها ، و يرتجف بدنها ، و تنظر الى الارض فى خفر وحياء و على نحو يجعلنا نتساءل اليس من نراهم فى الخرج بنى أدميين من دم و لحم و شحم ، لماذا لا يحبون بتلك الطريقة المفتعلة ، و لماذا لا ترتعش البنت الاوربية ، او ترتجف وهى تلقى حبيبها ، وانما تكون طبيعية فى محبتها ، و هيامها ، و تسبيلها ، و نحنحتها ؟!

ثم ما هى حكاية النظر فى الارض ؟ هل إستدعاء معنى الكسوف فى مشهد الحب هو من العلامات الدالة على العفة و الاحتشام ؟ ثم ما هى ضرورة العفة و الاحتشام اذا كان المرء بصدد إتيان عمل يخرج تماما عن أحدهما أو كليهما؟ ....أم ان النظر الى الارض فرضة ظروفنا المالية و الاقتصادية البديعة ، التى جعلت حلم اى فتى او فتاة هو العثور على لقية فى الارض ( بعض مال سقط فى غفلة من صاحيه أو قطعة من مصاغ ذهبى أو خطاب فاضح يمكن إبتزاز صاحبه به فاما أن يدفع أو يتم تسليم الخطاب لزوجته ) .....نعم لم يعد من أحلام الشباب تحقيق الثراء عبر العمل ، أو تلبية إحتياج من خلال الاجتهاد ، فهى كلها مسارات ثبت أنها تؤدى الى الوهم و الفراغ و الاستحالة ، فى ظل نظام إحتماعى ظالم الى أبعد الحدود .

اللقية التى تحتل مكانها على الارض فى مشهد أقترابات المحبة للاولاد أو البنات ، صارت هى الامل و المنى ، و العشم و الهنا ، ومن ثم بات النظر الى الارض أحد ملامح اللقاء العاطفى ،  ليضيف بندا جديدا على قائمة الافتعالات التى ترصع أداء الشعب إستلهاما من اداء ممثلين !

أما عن الحوار فحدث ولا حرج ، اذ تهز الحبيبة رأسها مخاطبة حبيبها بتحميل عاطفى مبهر : " إنت جيت يا سحس .... ياحبيب أم قلبى اللى أم قلب أهلى من جوه ؟! "

فيرد سحس عليها مبادلها إفتعالا بافتعال :

" ايوه جيت ياحبة عسل ابيض متلغمطين بالقشطة......يالى كل ما أشوفك قلبى بيتنطط فى صدرى زى القرد أبو صديرى ، و بأحس انى زى السمكة البلطى اللى رجعوها الميه بعد ما كانت ح تموت " !!

و بالطبع لابد من جملة – هنا – على لسان البنت لقفل المشهد و لتكن :

" هى هى هى هى هى هئ " إيه الزفارة دى كلها ياواد ؟! "

و حين تريد إحدى مشخصاتنا أداء دور إغراء ، خد عندك من المبالغات ما سوف يذهل أى متابع ، بدء من فتح الفم باستمرار ، و النظرة الناعسة من فوق الكتف الى رجل خلقها للتاكد انه مازال هناك ، فتح أزرار الفستان أو البلوزة أو الجلباب لتفصح عن منابت الصدور إمعانا الى الاثارة ، و مضغ قطعة من اللبان بطرقعة فى حركة لا نعرف طبيعة علاقتها بالاغراء ، ثم هندسة درجة الصوت ليصبح أقرب الى الفحيح منه الى التلفظ الطبيعى بالكلمات .

هذا النوع من المشاهد التقليدية فى المسلسلات المصرية ليس له شبيه فى الدنيا كلها سواء تمثيلا أو حقيقة ، و انما هو صورة شبه كاريكاتورية تجعل الحياة كلها مسخرة تقوم على الكذب المتواصل ، و تصنيع الزيف ليصبحا ضفيرة ثقافة سائدة ، و شكلا للعيشة يبدعه الذين يعيشونها .

و يزداد الطين بلة حين يتعلق المسلسل من أولئك للصورة النمطية التقليدية التى يتم تسويقها عن الاسكندرية فيقول الممثلون بين كلمة و اخرى : ( أيووووووه) ، أو على الفلاحين حين يمتلئ النص بعبارة ( جاك ضابط فى نافوخك ) ، أو تجليات للحب فى الصعيد تبدأ بمقولة عاشق أسيان :

" واااه .... واه .... يابوى ..... نوحى ياعين على حبايبى اللى راحوا ، ما نعرف راحوا فين ....ميتا تفطسى بجى ياحبيبتى عشان تعرفى محبتك فى جلبى ، و تشوفى كيف ح أنجهر عليكى " فترد الحبيبة دامعة متشحتفة : " جبر يلمك .....عددوا عليك بدرى ياهريدى ... آنى ح أضرب دماغى فى الزير – عاد – عشان أموت و أخش المجبرة ، و اعرف معزتى عندك ياواد و صيفة يا جزمة " !

الحوار فى المسلسلات المصرية آيه من آيات " الافورة " و الافتعال حتى ان المرء يتساءل ، هل هناك بشر طبيعين يمكن ان يأتى حوارهم – باستمرار – بذلك الجعير وعلو الصوت ، و تلعيب الحواجب ، ووضع اليدين فى الوسط إستهجانا فيما يشبه الرقص ، فضلا عن وضع السياسة على الحاجب فى حالة إستنكار ، وهو ما يرافق الشهق و المصمصة ، ، أو الدق بقبضات على الكفوف على راحات الايادى على سبل المكايدة ، وربما يضاف الى تلك الاداءات المبتذلة رفع الشباشب فى الايادى ، أو سحب نفس محترف من نارجيلة ، و اخراجه – بطريقة اكثر إحترافية من احدى فتحتى المنخار ( الانف ) ، أو بلوغ ذروة سنام الاداء برقصة بلدى مفزعة فى  انحطاطها و اسرافها فى التهتك .

و عند الرجال يصل الاصطناع الى بعض من ذراه العالية عبر تنميط كل من المشاعر التى يؤديها كل منهم ، فالشر لا يكون إلا برفع الحاجب و الايسر بالذات ، و الضحك ينبغى ان يصطحب هز الاكتاف ، مع التسلح بكثير من ثقل الظل و بحيث تأتى الضحكة هكذا

" هاهاهاهاهاهاهااه " فى حالة دور باشا او معلم أو قائد عسكرى أو عاشق سخيف و مقرف .

أو " هاهاهاهاهاىىى " فى حالة دور شاب صائع ، أو قبيح، أو عضو فى عصابة ، أو رجل على المعاش يهرق مع صاحبه على المقهى بعد عشرة طاولة .

أو " هع هع هع هع هع هع هاااع " اذا كنا بصدد الحديث عن دور صعيدى أو فتوة .

أو – كما سبقت الاشارة – " هى هى هى هى هئ " اذا كان الدور لغانية أو راقصة ، او إمرأة قررت التشبه باحداهن .

المهم ان الممثلين فى اى من الحالات السابقة ليسوا طبيعين و انما مبالغين و مصطنعين ، و هكذا شكا الحياة فى لابلد حين قام المواطنون و المواطنات الصالحوا و الصالحات ، باستنساخ أشكال التعبر تلك – ليقدموا لنا حياة كده و كده ، و ليست بحق و حقيقى .

أما هز الدماغ ، و تلعيب الرقبة فهو موضوع لوحده ، ينبغى ان يتحلق حوله – بغرض البحث و المناقشة – كونصلتو من الاطباء و النقاد الفنيين ، و بعض اساتذة الفلكلور الشعبى المتخصصين فى الموروث من لفظى " كسر دماغك ياجبان "و تنى رقبتك على صدرك " باعتبارهما المقولتين الاكثر صلة بالملف ، أعنى ملف هز الدماغ و الرقبة .

 وأتوقع ان يسهم ذلك الكونصلتو فى فك تشفير تلك الحركات الغريبة التى ياتيها الممثلون ، و بالذات هز الدماغ إيماء للدهاء و الخباثة و الارننة ، او تلعيب الرقبة إشارة الى الرقاعة و القدارة عند الحريم ، أو الى تيبس فقرات العنق عند الرجال !!

 و بالطبع صار هز الدماغ و تلعيب الرقبة ، هو إحدى السمات الحركية الاكثر شيوعا فى سلوكات الشعب المصرى ، و هو ما يحير الخواجات حين يشاهدون – بالصدفة – ملمحا من مسلسل محلى ، او حين يحضر بعض القادة أو الوزراء أو الخبراء المصريون جلسة مفاوضات مع طرف أجنبى ، و يمارسون هز الدماغ ، و تلعيب الرقبة ، فيحار الاجانب فى قراءة لغة الاشارة المصرية تلك ، و يرونها تعبيرا عن الجوانية و المكر ، و إظهار المرء غير ما يبطن ، و خصوصا حين يخال لهم أن تصميم المعادلات الحركية عند الطرف المصرى يبدو مقصودا ، فاذا كانت الجملة مكونة من هزة دماغ واحدة تتبعها تلعيبتان للرقبة . و بيقين بات ملف ذلك السلوك البدنى محلا لدراسة بعض أجهزة المخابرات الدولية التى تتوقع أن يكون وراء الاكمة ما وراءها ، رغم انه ليس وراء الاكمة شئ ، فضلا عن وجود الاكمة فى ذاتها ( و بالمناسبة الاكمة هى التل المرتفع )

و ضمن المشاهد البديعة المتكررة فى المسلسلات المصرية ، و التى يستلهمها الشعب ، مشهد العلقة الساخنة التى يضربها رجل لامرأة ، أو أعضاء فى مخابرات لجاسوسة ، اذ بعد التلطيش المتواصل بالاقلام ، و الصرخات الملتاعة التى تفيد معنى الاندهاش الحراق من التلطيش و كأنه عملية مباغتة ليس لها سوابق فيما تكرر وقائعها بصفة يومية .

وبعد التلطيش تأتى اللحظة الرائعة التى يسحب فيها الرجل ضحيته من شعرها و يسحلها على الارض ، ثم ربما يفضى ذلك الى تغطيس رأسها فى مياه برميل قذر حتى تصير على شفا إزهاق انفاسها ، فيقوم الرجل الذى قبض على شعرها برفع رأسها من البرميل لتستنشق بعض الهواء فى لوثة إشتياق ، ثم يعاود دفع دماغها الى مياه البراميل من جديد .

و بالقطع ربما يتبع ذلك أو يتخلله كهربه المرأة فيما يشق صراخها عنان السماء ، ناهيك عن تقطير ماء النار على جسمها ، أو نزع أظافرها ، أو تخليع أسنانها دون تخدير ، و غيرها من المشاهد الاكثر تقليدية فى الدراما المصرية .

و قد نشرت تلك المشاهد خلاقا جديدا فى مصر حاكاه الشعب و قلده حتى بات متوحدا مع عقيدة العنف و الايغال فيه و الالتذاذ به.

و أرجو أن يمتنع السادة الذين يقومون بترويج و تسويق فكرة إننا شعب لذيذ ، وطيب ، و يكره العنف ....فذلك كان زمان ، و تغير السياق يؤدى الى تغير سمات الهوية القومية ،  وما نراه حولنا – الآن – من رزع بالمولوتوف ، و إطلاق الآلى عمال على بطال ، و حيازة الآربى جى ، و تركيب الجرينوف على سيارات الدفع الرباعى و المخطرة بها فى شوارع المدن المصرية ، وجلد الناس على جذوع النخيل يقول لنا أننا صرنا شعبا عنيفا ، و إن المسلسلات – و لله الحمد – أثمرت ، وزرعت فى نفوس مشاهديها روحا محدثة خرجت عن طبيعة الناس الحقيقية ، و عودتهم إصطناع سلوك جديد ليس منهم و ليسوا منه .

بعبارة أخرى تدفعنا تلك المسلسلات الى حياة كده و كده ، و ليست بحق و حقيق .

بالضبط كما نصوصها و مشاهديها و ممثليها ....

و فتكم بعافية !

>